محمد حسين علي الصغير
179
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وليس الأمر كذلك فقد قسمها كل من الزمخشري والرازي وبحثها بأصولها دون بعض مسمياتها عبد القاهر الجرجاني . والأمر الذي أريد الوقوف عنده هنا وقفة يسيرة ، إن هؤلاء الاعلام الثلاثة لم يعرضوا للمعاني والبيان على المستوى النظري فحسب بل لقد سبق بعضهم إلى التطبيق الفعلي بالمسميات المحددة لأصناف هذين العلمين ، فالزمخشري مثلا لم يكتف بالإشارة إلى مهمة المفسر باستقراء المعاني والبيان ، بل بحثهما ضمن الكشاف تفصيليا ، وبكثير من العناية في التخصيص دون التعميم ، فهو حينما يبحث وجوه البلاغة في قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) « 1 » ، فإنما يبحث ذلك في جزئيات علمي البيان والمعاني بشكل دقيق ومتميز ، فيذكر الاستعارة والمجاز ، والخبر والإنشاء والتقديم والتأخير ، ويختم ذلك بقوله : « ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم » « 2 » . وفي هذا دلالة - على الأقل - على سيرورة استعمال هذه المسميات والتخريجات - بلاغية أو نحوية - في علمي المعاني والبيان . تقسيم مباحث المعاني : استقر البلاغيون في تقسيم مباحث المعاني على ما أبداه كل من السكاكي ( ت : 626 ه ) ومن بعده القزويني ( ت : 739 ه ) حتى عادت هذه المباحث في تقسيمها مدار علم المعاني ، ومحور نظامها الرتيب الذي لا يطاوله أحد . ولقد كان هذا التقسيم التقليدي معلما من سيماء العصر في تقلبه بمتاهات علم الكلام ، وتقسيمات المنطق والفلسفة ، واقتفى أثرهما بهاء الدين السبكي ( ت : 733 ه ) ، وسعد الدين التفتازاني ( ت : 791 ه ) ومن اتبعهما من الشارحين والمختصرين « لمفتاح العلوم » ومن تابعهم جميعا من
--> ( 1 ) هود : 44 . ( 2 ) ظ : الزمخشري ، الكشاف : 2 / 271 وما بعدها .